ظهر توافق نادر في عالم البنوك المركزية الذي غالباً ما يشهد انقسامات. فمن شارع ثريدنيدل إلى أبراج فرانكفورت اللامعة، أصدر رؤساء أحد عشر بنكاً مركزياً رئيسياً بياناً مشتركاً، يمثل جبهة موحدة لدعم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول. يأتي هذا العرض غير المسبوق للتضامن في أعقاب تحقيق جنائي أطلقته وزارة العدل الأمريكية في سلوك باول، وهو تحقيق يُزعم أنه مرتبط بشهادته بشأن تجديدات مباني الاحتياطي الفيدرالي.
ولكن ما سبب هذا الدفاع المفاجئ والموحد عن مصرفي مركزي واحد؟ تكمن الإجابة في المبدأ الأساسي لاستقلالية البنوك المركزية، وهو حجر الزاوية في السياسة النقدية الحديثة ومفهوم يتعرض لضغوط متزايدة في عالم يعاني من عدم اليقين الاقتصادي والاستقطاب السياسي.
استقلالية البنوك المركزية، في جوهرها، تعني أن هذه المؤسسات حرة في تحديد أسعار الفائدة وإدارة السياسة النقدية دون تأثير سياسي لا مبرر له. هذا الاستقلال الذاتي ضروري للحفاظ على استقرار الأسعار وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل. تخيل سيناريو تملي فيه المكاسب السياسية قصيرة الأجل قرارات أسعار الفائدة. يمكن أن تكون النتيجة تضخماً جامحاً وازدهاراً غير مستدام، وفي النهاية، عدم استقرار اقتصادي.
ويؤكد البيان، الذي وقعه شخصيات بارزة مثل كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، ومحافظ بنك إنجلترا، على هذه النقطة بالذات. ويسلط الضوء على "نزاهة باول، وتركيزه على ولايته والتزامه الثابت بالمصلحة العامة". الرسالة واضحة: يُنظر إلى الهجوم على باول على أنه هجوم على استقلالية البنوك المركزية في كل مكان.
يأتي التحقيق في باول بعد عام من الانتقادات المتواصلة من الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي ضغط مراراً وتكراراً على بنك الاحتياطي الفيدرالي لخفض تكاليف الاقتراض بشكل أكثر حدة. في حين صرح ترامب بأنه "لا يعرف شيئاً" عن التحقيق، إلا أن التوقيت والسياق أثارا مخاوف بشأن التدخل السياسي في عمليات بنك الاحتياطي الفيدرالي.
يؤكد هذا الوضع على التوتر المتزايد بين المصلحة السياسية العاجلة والاستقرار طويل الأجل الذي صُممت البنوك المركزية المستقلة لتوفيره. إن صعود الشعبوية والتسييس المتزايد للقضايا الاقتصادية قد وضعا المصرفيين المركزيين في مرمى النيران، مما أجبرهم على التنقل في مشهد معقد من المصالح المتنافسة.
توضح الدكتورة أنيا شارما، الخبيرة الاقتصادية المتخصصة في السياسة النقدية: "إن استقلالية البنوك المركزية ليست مجرد مفهوم مجرد. إنها الأساس الذي نبني عليه بيئة اقتصادية مستقرة ويمكن التنبؤ بها. عندما يتعرض هذا الأساس للتهديد، يمكن أن تكون العواقب بعيدة المدى."
تمتد آثار هذا الوضع إلى ما هو أبعد من التحقيق الفوري في باول. إنه يثير أسئلة جوهرية حول دور البنوك المركزية في مجتمع ديمقراطي والضمانات اللازمة لحماية استقلالها. مع ازدياد تعقيد الاقتصادات وترابطها، تزداد الحاجة إلى سياسة نقدية محايدة وقائمة على البيانات. إن الجبهة الموحدة التي أظهرها رؤساء البنوك المركزية العالمية هؤلاء هي بمثابة تذكير قوي بأهمية الحفاظ على هذا المبدأ الحيوي، وضمان بقاء السياسة النقدية معزولة عن أهواء الضغوط السياسية وتركيزها على الرفاهية الاقتصادية طويلة الأجل للمجتمع العالمي.
Discussion
Join the conversation
Be the first to comment