هل وجدت نفسك يومًا تحدق في كومة من الغسيل، ثم تنجذب بشكل لا يمكن تفسيره إلى أغنية الإغراء التي يصدرها هاتفك؟ لست وحدك. التسويف، تلك التجربة الإنسانية العالمية، قد يكون لها أخيرًا تفسير عصبي، وذلك بفضل دراسة رائعة نظرت داخل أدمغة القرود. حدد البحث، بقيادة كين-إيتشي أميموري، عالم الأعصاب في جامعة كيوتو، دائرة دماغية معينة يبدو أنها مسؤولة عن ميلنا إلى تأخير المهام المرتبطة بالنفور، حتى عندما تعد تلك المهام بمكافأة.
لقرون، تأمل الفلاسفة وعلماء النفس في طبيعة التسويف. هل هو كسل؟ سوء إدارة للوقت؟ قضية نفسية أعمق؟ في حين أن هذه العوامل تلعب بالتأكيد دورًا، يشير بحث أميموري إلى أساس بيولوجي أكثر جوهرية. إن فهم هذه الآلية يمكن أن يكون له آثار عميقة، ليس فقط على الأفراد الذين يعانون من التسويف، ولكن أيضًا على كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وحتى هيكلة مجتمعنا.
كانت الدراسة نفسها بسيطة بشكل أنيق. قام أميموري وفريقه بتدريب اثنين من قرود المكاك على أداء مهام اتخاذ القرار. تم تزويد القرود، بعد فترة من تقييد المياه، برافعتين. كل رافعة، عند تنشيطها، تطلق كمية مختلفة من الماء - إحداهما تقدم مكافأة أصغر، والأخرى مكافأة أكبر. سمحت هذه المرحلة الأولية للباحثين بقياس كيفية تأثير قيمة المكافأة على استعداد القرود للتصرف. جاء الاختراق الحقيقي عندما أدخل الباحثون عنصر "النفور" في المعادلة. من خلال مراقبة نشاط الدماغ أثناء هذه المهام، حددوا اتصالًا عصبيًا معينًا بدا أنه المفتاح لفهم سبب تأجيلنا للأشياء.
يوضح أميموري: "أردنا تحليل آليات الدماغ التي تقلل من الدافع للعمل عندما تنطوي المهمة على الإجهاد أو العقاب أو عدم الراحة". تشير النتائج إلى أن هذه الدائرة المعينة تعمل كنوع من "مسار التجنب"، مما يقلل من دوافعنا للانخراط في الأنشطة التي تثير مشاعر سلبية، حتى لو كانت هذه الأنشطة تؤدي في النهاية إلى نتيجة إيجابية.
ولكن ما علاقة هذه الأعمال التي تقوم بها القرود بنا؟ غالبًا ما تستخدم القرود، وخاصة قرود المكاك، كنماذج لوظيفة الدماغ البشري نظرًا للتشابه في هياكلها العصبية وعملياتها المعرفية. يشير تحديد "مسار التجنب" هذا في القرود إلى أن آلية مماثلة قد تكون موجودة في الدماغ البشري.
تمتد آثار هذا البحث إلى أبعد من مجرد فهم سبب تجنبنا غسل الأطباق. مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياتنا، يصبح فهم الأساس العصبي للتحفيز واتخاذ القرار أمرًا بالغ الأهمية. على سبيل المثال، إذا تمكنا من تحديد العوامل التي تؤدي إلى تجنب البشر لمهام معينة، فيمكننا تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تكون أفضل في تحفيزنا لإكمال تلك المهام. تخيل مساعدًا يعمل بالذكاء الاصطناعي لا يذكرك فقط بتقديم ضرائبك ولكن أيضًا يفهم الأسباب الكامنة وراء تأجيلك لها ويقدم استراتيجيات مصممة خصيصًا للتغلب على مقاومتك.
علاوة على ذلك، يثير هذا البحث أسئلة مهمة حول تصميم مجتمعنا. هل نقوم بهيكلة بيئات العمل وأنظمتنا التعليمية بطرق تؤدي عن غير قصد إلى تشغيل "مسار التجنب" هذا؟ هل نقوم بإنشاء مهام ومسؤوليات غير سارة بطبيعتها، مما يؤدي إلى التسويف على نطاق واسع وانخفاض الإنتاجية؟ من خلال فهم الأساس البيولوجي للتسويف، يمكننا البدء في تصميم أنظمة أكثر توافقًا مع ميولنا الطبيعية وتعزيز التحفيز والمشاركة.
الدراسة هي تذكير بأن أدمغتنا مهيأة لتجنب الانزعاج، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بالمكافآت المحتملة. في حين أننا قد لا نكون قادرين على القضاء على التسويف تمامًا، إلا أن فهم الآليات الكامنة يمكن أن يمكننا من اتخاذ خيارات أكثر استنارة وتصميم أنظمة تدعم أهدافنا بشكل أفضل. مع استمرار بحث أميموري، يمكننا أن نتوقع اكتساب رؤى أعمق حول التفاعل المعقد بين التحفيز والمكافأة والسعي الدائم للتغلب على التسويف. قد يحمل المستقبل استراتيجيات مخصصة، وربما تدخلات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تساعدنا جميعًا على معالجة تلك المهام التي تلوح في الأفق بقليل من الرهبة والكثير من العمل.
Discussion
Join the conversation
Be the first to comment