تخيل عالماً لم تكن فيه الرأسمالية، المحرك الاقتصادي الذي يشكل حياتنا، هي القوة المهيمنة التي هي عليها اليوم. عالماً كانت تعتبر فيه هامشية، بل وحتى ضعيفة. هذا هو الافتراض الذي دفع البروفيسور سفين بيكرت من جامعة هارفارد في رحلة استغرقت ثماني سنوات عبر العالم، سعياً لكشف التاريخ السري للرأسمالية وتحدي افتراضاتنا حول أصولها وحتميتها.
توج مشروع بيكرت الطموح بكتاب من 1300 صفحة، بعنوان "الرأسمالية: تاريخ عالمي"، وهو عمل يصفه بأنه ليس حكماً، بل محاولة للفهم. لقد لاحظ مفهوماً خاطئاً شائعاً بين طلابه في هارفارد: الاعتقاد بأن الرأسمالية هي حالة طبيعية وغير متغيرة. ويوضح قائلاً: "عندما أقوم بتدريس تاريخ الرأسمالية هنا في هارفارد، يعتقد العديد من طلابي أن الرأسمالية هي نوع من الحالة الطبيعية. ولكن هذا ليس هو الحال عندما تنظر إلى السجل التاريخي".
يهدف كتابه إلى تفكيك هذا المفهوم، وتقديم منظور عالمي حول تطور الرأسمالية. يجادل بيكرت بأن الرأسمالية ليست حقيقة أبدية بل هي اختراع بشري، تشكلت من خلال خيارات متعمدة وعنف وابتكار مؤسسي. يتحدى هذا المنظور فكرة أن نظامنا الاقتصادي الحالي هو الوحيد الممكن، مما يفتح المجال لتخيل مستقبل بديل.
تسلط أبحاث بيكرت الضوء على الطبيعة العرضية لصعود الرأسمالية. لم يكن استنتاجاً مفروغاً منه، بل نتيجة لظروف تاريخية محددة وديناميكيات القوة. هذا الفهم ضروري في عصر يعيد فيه الذكاء الاصطناعي والأتمتة تشكيل المشهد الاقتصادي بسرعة. مع تزايد تأثير خوارزميات الذكاء الاصطناعي على اتخاذ القرارات في الأسواق المالية والتجارية والعمالية، من الضروري أن نتذكر أن هذه الأنظمة ليست محايدة. إنها مبنية على خيارات بشرية وتعكس التحيزات القائمة، مما قد يعزز أوجه عدم المساواة إذا لم يتم تصميمها ومراقبتها بعناية.
تمتد آثار عمل بيكرت إلى ما هو أبعد من الدوائر الأكاديمية. من خلال فهم الجذور التاريخية للرأسمالية، يمكننا تحليل مظاهرها الحالية بشكل أفضل وتوقع مسارها المستقبلي. هذه المعرفة ذات صلة خاصة في سياق التحولات الاقتصادية التي يحركها الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، فإن صعود التداول الخوارزمي، المدعوم بنماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، لديه القدرة على تفاقم تقلبات السوق وخلق أشكال جديدة من المخاطر المالية. وبالمثل، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التوظيف يمكن أن يديم التحيزات القائمة إذا تم تدريب الخوارزميات على بيانات تعكس التمييز التاريخي.
كما يشير بيكرت، فإن الرأسمالية ليست كياناً متجانساً. لقد تطورت بمرور الوقت واتخذت أشكالاً مختلفة في أجزاء مختلفة من العالم. هذا التنوع ضروري للنظر فيه عند تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي. ستختلف التحديات والفرص التي يمثلها الذكاء الاصطناعي اعتماداً على السياق المحدد، مما يتطلب حلولاً وسياسات مصممة خصيصاً.
يعمل عمل بيكرت بمثابة تذكير بأن لدينا القدرة على تشكيل مستقبل نظامنا الاقتصادي. من خلال فهم القوى التاريخية التي شكلت الرأسمالية، يمكننا اتخاذ خيارات أكثر استنارة حول كيفية تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لصالح الجميع. يتطلب ذلك فحصاً نقدياً للقيم والافتراضات المضمنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن الالتزام بضمان استخدام هذه التقنيات بطريقة تعزز العدالة والمساواة والاستدامة.
Discussion
Join the conversation
Be the first to comment